أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

434

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

هذا الوجه الرابع ألّا يكون المفعول محذوفا بل تكون « من » مزيدة على مذهب الأخفش تقديره : كلوا ما في الأرض أكلا حلالا . الخامس : أنّ يكون حالا من الضمير العائد على « ما » قاله ابن عطية ، يعني بالضمير الضمير المستكنّ في الجارّ والمجرور الواقع صلة . و طَيِّباً فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أن يكون صفة ل « حلالا » ، أمّا على القول بأنّ « من » للابتداء متعلّقة ب « كلوا » فهو واضح ، وأمّا على القول بأنّ « مما في الأرض » حال من « حلالا » ، فقال أبو البقاء : « ولكنّ موضعها بعد الجارّ والمجرور ، لئلا يفصل بالصفة بين الحال وذي الحال » وهذا الذي قاله ليس بشيء فإنّ الفصل بالصفة بين الحال وصاحبها ليس بممنوع ، تقول : « جاءني زيد الطويل راكبا » بل لو قدّمت الحال على الصفة فقلت : « جاءني زيد راكبا الطويل » كان في جوازه نظر . الثاني : أن يكون صفة لمصدر محذوف أو حالا من المصدر المعرفة المحذوف أي : أكلا طيبا . الثالث : أن يكون حالا من الضمير في « كلوا » تقديره : مستطيبين ، قاله ابن عطية . قال الشيخ « 1 » : « وهذا فاسد في اللفظ والمعنى ، أمّا اللفظ فلأنّ « الطيّب » اسم فاعل فكان ينبغي أن تجمع لتطابق صاحبها فيقال : طيبين ، وليس « طيب » مصدرا فيقال : إنما لم يجمع لذلك . وأما المعنى فإنّ « طيبا » مغاير لمعنى « مستطيبين » لأنّ الطّيب من صفات المأكول والمستطيب من صفات الآكلين ، تقول : طاب لزيد الطعام ، ولا تقول : « طاب زيد الطعام » بمعنى استطابه » . والحلال : المأذون فيه ، ضدّ الحرام الممنوع منه . يقال : حلّ يحلّ بكسر العين في المضارع ، وهو القياس لأنه مضاعف غير متعدّ ، ويقال : حلال وحلّ ، كحرام وحرم وهو في الأصل مصدر ، ويقال : « حل بلّ » على سبيل الاتباع كحسن بسن . وحلّ بمكان كذا يحلّ بضمّ العين وكسرها ، وقرئ : فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي « 2 » بالوجهين . قوله : خُطُواتِ قرأ ابن عامر والكسائي وقنبل وحفص : خطوات بضم الخاء والطاء ، وباقي السبعة بسكون الطاء ، وقرأ أبو السّمّال « خطوات » بفتحها ، ونقل ابن عطية وغيره عنه أنه قرأ « خطوات » بفتح الخاء والطاء ، وقرأ عليّ وقتادة والأعمش بضمّها والهمز . فأمّا قراءة الجمهور والأولى من قراءتي أبي السّمّال فلأنّ « فعلة » الساكنة العين السالمتها إذا كانت اسما جاز في جمعها بالألف والتاء ثلاثة أوجه - وهي لغات مسموعة عن العرب - : السكون وهو الأصل ، والاتباع ، والفتح في العين تخفيفا . وأمّا قراءة أبي السّمّال التي نقلها ابن عطية فهي جمع خطوة بفتح الخاء ، والفرق بين الخطوة بالضم والفتح : أنّ المفتوح مصدر ، دالة على المرّة من خطا يخطو إذا مشى ، والمضموم اسم لما بين القدمين كأنه اسم للمسافة ، كالغرفة اسم للشيء المغترف ، وقيل : إنهما لغتان بمعنى واحد ذكره أبو البقاء .

--> ( 1 ) البحر المحيط ( 1 / 478 ) . ( 2 ) سورة طه ، آية ( 81 ) .